يرى كريم مزران وداريو كريستياني، في تحليل نشره أتلانتيك كآونسل، أن التحرك الأميركي الأخير في ليبيا لا يعكس استراتيجية متكاملة لحل الأزمة الليبية بقدر ما يعكس محاولة لفرض تهدئة مؤقتة تحفظ المصالح الاقتصادية والطاقة، عبر اتفاق لتقاسم النفوذ بين القوى المسيطرة على غرب البلاد وشرقها.
ويشير أتلانتيك كآونسل إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تُظهر اهتماماً مباشراً وعميقاً بالملف الليبي، لكن المستشار الأميركي مسعد بولس قاد تحركاً دبلوماسياً مكثفاً خلال الأشهر الماضية، مستفيداً من تراجع الاهتمام الدولي بالأزمة الليبية ورغبة واشنطن في تأمين بيئة مستقرة تسمح بعودة الاستثمارات الأجنبية وشركات الطاقة الأميركية.
تحولات إقليمية تدفع نحو التسوية
يوضح المقال أن التغيرات الإقليمية والدولية ساهمت في خلق زخم جديد نحو تسوية سياسية في ليبيا. بدأت تركيا، الداعم العسكري والسياسي الأبرز لحكومة طرابلس خلال السنوات الماضية، في فتح قنوات تواصل مع عائلة خليفة حفتر المسيطرة على شرق ليبيا، مدفوعة بمصالح اقتصادية ورغبتها في تثبيت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة مع حكومة الوفاق السابقة.
وفي الوقت نفسه، أعادت مصر تقييم سياستها تجاه ليبيا بسبب مخاوف مرتبطة بعلاقة قوات حفتر بالدعم السريع في السودان، إضافة إلى حاجة القاهرة لاقتصاد ليبي مستقر قادر على استيعاب العمالة المصرية وتوفير مصادر طاقة إضافية في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الطاقة.
كما اقتربت مواقف إيطاليا وفرنسا، رغم خلافاتهما السابقة، حول أولوية استقرار ليبيا للحد من تدفقات الهجرة وضمان أمن الطاقة في البحر المتوسط. وأبدت روسيا والصين دعماً حذراً لهذا المسار، إذ تسعى بكين إلى توسيع نفوذها الاقتصادي، بينما تحاول موسكو الحفاظ على موطئ قدم سياسي في شمال أفريقيا بعد تعثرها في ملفات أخرى.
خريطة الطريق الأميركية وحدودها
يعتمد المقترح الأميركي، وفق التحليل، على أربعة محاور رئيسية تشمل توحيد الموازنة العامة، ودمج المؤسسات العسكرية، وتشكيل حكومة موحدة، ثم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال ستة أشهر من الاتفاق السياسي.
ويعتبر المقال أن إقرار أول موازنة موحدة في ليبيا منذ أكثر من عقد شكّل أبرز إنجاز لهذا التحرك، إذ استهدف تقليص الإنفاق الموازي والحد من الفساد وزيادة تمويل المؤسسة الوطنية للنفط بهدف رفع الإنتاج.
لكن الكاتبين يؤكدان أن الدافع الأساسي وراء المبادرة الأميركية اقتصادي بالدرجة الأولى، إذ تسعى واشنطن إلى خلق حد أدنى من الاستقرار يسمح بعودة الشركات الأجنبية والاستثمارات النفطية، أكثر من سعيها إلى بناء نظام ديمقراطي حقيقي.
وتكشف اللقاءات الأخيرة بين مسؤولين ليبيين ووزارات الخزانة والطاقة الأميركية عن هذا التوجه، خاصة مع توقيع شركات أميركية كبرى مثل شيفرون وبوينغ اتفاقات تعاون مع مؤسسات ليبية.
ورغم ذلك، يلفت التحليل إلى أن البيئة الاقتصادية داخل ليبيا ما تزال شديدة الهشاشة بسبب الفساد الواسع، وتعقيدات التحويلات المالية، وضعف المنظومة القانونية، وصعوبة الإجراءات الجمركية، وهي عوامل تجعل أي استقرار اقتصادي طويل الأمد أمراً بالغ الصعوبة.
معضلة “المحاصصة العائلية” في ليبيا
ينتقد المقال جوهر الخطة الأميركية، معتبراً أنها تقوم على ما يشبه “المحاصصة العائلية”، أي تقاسم السلطة بين شبكات النفوذ العسكرية والسياسية والعائلية المسيطرة حالياً، وعلى رأسها معسكر عبد الحميد الدبيبة في الغرب وعائلة حفتر في الشرق.
ويرى الكاتبان أن هذا المنطق يتجاهل تعقيدات الواقع الليبي، إذ قادت الصفقات السابقة بين النخب المتصارعة إلى تعميق الفساد والانقسام بدلاً من إنهائه. كما بدأت معارضة داخلية واسعة تظهر في مدن الغرب الليبي، خصوصاً في مصراتة، حيث يرفض كثير من القادة السياسيين والعسكريين فكرة الشراكة مع عائلة حفتر أو فرض تسويات برعاية خارجية.
وفي المقابل، تتصاعد التوترات داخل معسكر حفتر نفسه بسبب الصراع على النفوذ بين أبناء خليفة حفتر، خاصة مع تزايد نفوذ صدام حفتر داخل المؤسسة العسكرية.
ويؤكد التحليل أن الاعتماد على الروابط العائلية والعشائرية لضمان الاستقرار يحمل مخاطر كبيرة، لأن التنافس داخل هذه الشبكات قد ينفجر بمجرد غياب الشخصيات المركزية القادرة على ضبط التوازنات.
ويختتم المقال بالتشديد على أن المبادرة الأميركية قد تنجح مؤقتاً في تخفيف التوترات وخلق مناخ أكثر قابلية للأعمال والاستثمار، لكنها لن تعالج جذور الأزمة الليبية المرتبطة بغياب الشرعية والمؤسسات الجامعة والمشاركة السياسية الحقيقية، ما يجعل الخطة الحالية أقرب إلى إدارة مؤقتة للصراع لا إلى حل دائم للأزمة الليبية.
https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/the-problem-with-the-us-power-sharing-plan-for-libya/

